محاكمة بورقيبة: انتصار للذاكرة ام اثارة للجهويات


  قد يفرض الحق في الذاكرة استحضار بعض المحطات المؤلمة في تاريخ شعب من الشعوب و هو ما تجسده افضل تجسيد المحاكمة الرمزية التي اصرت هيئة الحقيقة و الكرامة و رئيستها المثيرة للجدل سهام بن سدرين للرئيس الاسبق الحبيب بورقيبة على خلفيه توليه اعطاء الاذن باغتيال الزعيم صالح بن يوسف سنة 1961 بمدينة فرانكفورت الالمانية و ذلك ضمن الصراع بين الرجلين .

و لا شك ان عملية اغتيال صالح بن يوسف تمثل بكل المقايسس جريمة دولة اذ وقع الاعداد لها داخل اجهزة الدولة و سخرت بعض ادواتها لتسهيل عملية تنفيذها و هو ما يصعب انكاره و يمثل نقطة سوداء في سجل الممارسة السياسية للحبيب بورقيبة .

و لكن الوفاء للذاكرة يدعو ايضا الى الاشارة الى ان عملية رد الاعتبار التي يطالب بها نجل الزعيم صالح بن يوسف اليوم قد انجزت منذ سنة 1988 لما قرر الرئيس الاسبق زين العابدين بن علي جلب رفاة الزعيم صالح بن يوسف و اقيم لها موكب ترحم في مقر التجمع الدستوري الديمقراطي لتوارى اثر ذلك في مربع الشهداء بمقبرة "الزلاج" و افردت ارملة الزعيم صالح يوسف صفية بكل مظاهر الحفاوة و التبجيل و نالت العائلة تعويضا ماديا و وقع رفع الحظر الذي كان مفروضا على سيرة صالح بن يوسف في وسائل الاعلام و صدرت عدة مؤلفات عن الرجل احدها للاستاذ منصف الشابي و تولت دار اقواس للنشر المملوكة انذاك للسيدة سهام بن سدرين نشره .

ومن مفارقات جلسة المحاكمة الرمزية تعمدها تغييب الدور الواضح و المعلوم في الاشراف على عملية الاغتيال و الحث عليها الذي لعبه كل من وسيلة بن عمار و الطيب المهيري المنحدرين من مدينة تونس و المنتميان لما يسمى شعبيا "البلدية " و الذي ترتبط معه السيدة سهام بن سدرين بعلاقات المصاهرة مقابل الاقتصار على ابراز دور الحبيب بورقيبة و البشير زرق العيون و حسن الورداني و عبد الله الورداني في عملية فرز لا تخلو من الخلفية الجهوية و هو ما يزيد التاكيد على ان طريقة ادارة هيئة الحقيقة و الكرامة للعدالة الانتقالية قد ساهمت في تعميق كل اشكال الانقسام و التوتر في المجتمع التونسي .